الحثُّ على طَلَبِ العِلْمِ وَاسْتِفْتَاءِ أهلِهِ
الخطبة الأولى:
إنَّ الحمدَ للهِ نحمدُه ونستعينُه ونستهديهِ ونشكرُه ونستغفرُه ونتوبُ إليهِ، ونعوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أنفسِنا ومِنْ سيِّئاتِ أعمالِنا، مَنْ يَهدِ اللهُ فلا مضلَّ لهُ ومَنْ يُضللْ فلا هادِيَ لهُ.
وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ الواحدُ الأحدُ الفردُ الصمدُ الذي لم يتَّخذْ صاحبةً ولا ولدًا، جَلَّ رَبِّي لا يشبهُ شيئًا ولا يشبهُه شىءٌ ولا يحُلُّ في شىءٍ ولا ينحلُّ منه شىءٌ، جلَّ رَبِّي تنَزَّهَ عنِ الأينِ والكيفِ والشكلِ والصورةِ والحدِّ والجهةِ والمكانِ، ليسَ كمِثْلِهِ شىءٌ وهوَ السميعُ البصيرُ. وأشهدُ أنَّ سَيِّدَنا وحبيبَنا وعظيمَنا وقائدَنا وقرَّةَ أعيُنِنا محمَّدًا عبدُه ورسولُه وصفيُّه وحبيبُه الذي أرشدَنا إلى طريقِ الخيرِ والهدَى والنورِ. الصلاةُ والسَّلامُ على سَيِّدِنا محمَّدٍ النبيِّ الأُمِّيِّ الذي علَّمَنَا الحضارةَ وأرشدَنا إِلى مَا فيهِ خيرُنا وصلاحُنا ونجاحُنا في الدُّنيا والآخرةِ.
أمَّا بعدُ عِبادَ اللهِ فإنِّي أوصيكُمْ ونفْسِي بتقوَى اللهِ العَلِيِّ القديرِ القائلِ في محكمِ كتابِه: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ (الزُّمر:9).
وَتَفَقَّهُوا في دِينِ اللهِ، فإِنَّهُ مَنْ يُرِدِ اللهُ بهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، والفِقْهُ مَعْرِفَةُ النفسِ مَا لَها وَمَا عَلَيْهَا ، فَبِهِ يَعرِفُ العبدُ كيفَ يعبُدُ رَبَّهُ، بهِ يعرفُ كيفَ يتَوَضَّأُ وكيفَ يَغْتَسِل، بهِ يعرِفُ كيفَ يُصَلِّي وكيفَ يَصُومُ وكيفَ يُزَكِّي وكيفَ يَحُجُّ وكيفَ يَعْتَمِرُ، بهِ يُميِّزُ بينَ الواجباتِ وبينَ السُّننِ، بهِ يعرفُ كيفَ يبيعُ وكيفَ يشتَرِي وكيفَ يتزوَّجُ وكيفَ يُطَلِّقُ، وكيفَ يُكفِّرُ عن ءاثَامِهِ، فالعلمُ الشَّرعيُّ نورُ القلبِ ونُورُ القَبْرِ ونُورُ الحشرِ ونُورُ الصِّراطِ.
أيها الناسُ: وأوصيكُمْ بالثَّباتِ على نَهْجِ رسولِ الله محمدٍ الصادقِ الوَعْدِ الأَمين، وبالسَّيرِ على دَربِ العُلماءِ الأَجِلاءِ، الذينَ حمَلوا هذا الدِّينَ العَظيمَ وبلَّغوهُ للناسِ وخَلَّفوا لنا ثَرْوَةً عَظِيمَةً بل كُنوزًا ودُرَرًا مضيئَةً في جميعِ فُنونِ العُلومِ النَّافعةِ للمُجْتَمَعِ الإسلامِيِّ، فمِنْ هَؤُلاءِ الأَئِمَّةِ الأعلامِ الحسَنُ البصرِيُّ ومكحُول الدمشقيُّ والأوزَاعِيُّ وسفيانُ الثوريُّ وأبوحنيفةَ ومَالك والشافعيُّ وأحمدُ وغيرُهم رضيَ اللهُ عنهم ونفعنَا بِهِمْ وأمدَّنا بأمدادِهِم. هَؤُلاءِ الأئمةُ بَلَغُوا رُتْبَةَ الاجتِهَادِ فنفَعُوا النَّاسَ بِعُلومِهِم واجتِهَادِهِم.
والاجتِهَادُ إخوَةَ الإيمانِ هو استِخْرَاجُ الأحكامِ التي لم يرِدْ فيها نصٌّ صرِيحٌ مِنَ الكتابِ والسنَّةِ، وأما ما ورَدَ فيه نصٌّ صريحٌ فلا مَجَالَ لِلاجْتِهادِ فيه، فَإِنْ قُلْنَا مَذْهَبُ الشافعيِّ أو مذهبُ مالكٍ أو مَذْهَبُ أبي حنيفةَ أو أَحْمَدَ بنِ حنبلٍ فالمرادُ ما ذَهَبَ إِلَيْهِ مِنَ الأَحْكَامِ في المسائلِ أي فِي مَا قَرَّرَهُ مِنَ الأَحْكَامِ، فَإِذًا المجتَهِدُ لَهُ شُروطٌ لا بُدَّ أَنْ تَجْتَمِعَ فِيهِ لِيَكُونَ عندَهُ الأَهْلِيَّةُ للاجْتِهَادِ، فَالاجْتِهَادُ مَشْرُوعٌ لأَهلِهِ ولَيْسَ لِكُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ المسلمِينَ وإِلا لَضَاعَ الدِّينُ، والفَوْضَى لا تَلِيقُ بالدِّينِ، قالَ الأَفْوَهُ الأَوْدِيُّ:
لا يصلُحُ الناسُ فَوضَى لا سَراةَ لهم ولا سَــراةَ إذا جُهّالُهُم سـادُوا
ولقد قيَّضَ اللهُ تعالى لخدمةِ دِينِهِ علماءَ أُمَنَاءَ مُتَّقينَ وَرِعِينَ وأَمَرَ بِالرُّجوعِ إليهِم في أمرِ دينِهِم فقالَ سبحانَهُ وتعالَى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾، فَمَنْ أَرَادَ الاستِفْتَاءَ فَلا يَسْأَلُ إلا أهلَ العِلْمِ الثِّقَاتِ الذينَ أخَذُوا العِلمَ عَمَّنْ قَبلَهُمْ بالسَّندِ المتَّصِلِ إلَى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ولا يَسألُ الصَّحَفِيِّينَ الذِينَ يَعْكِفُونَ علَى قراءةِ الكتُبِ والمجَلاتِ ومتابَعَةِ فَتَاوَى الإنترنت ومشايِخِ الفَضائِيَّات، نَعم وكَمْ مِنْ أُنَاسٍ في عصرِنا هذَا يُريدُونَ فَتْوى على حسَبِ ءَارائِهم فَيَدُورونَ مِنْ شَيْخٍ إلى ءاخَرَ حتَّى يَسْمَعُوا الفَتْوَى التِي تَمِيلُ إليهَا أَهْواؤُهُم ولو كانَتْ بَاطِلةً.
نَقُولُ لَهم: قالَ اللهُ تعالَى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ (النحل:116).
وقالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "الْقُضَاةُ ثَلاَثَةٌ: وَاحِدٌ في الْجَنّةِ وَاثْنَانِ في النّارِ، فَأمّا الّذِي في الْجَنّةِ فَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَقَضَى بِهِ، وَرَجُل عَرَفَ الْحَقَّ فَجَارَ في الْحُكْمِ فَهُوَ في النّارِ وَرَجُل قَضَى لِلنّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ في النّارِ".
وفي صحيحِ الإِمَامِ مُسلمٍ: بابُ بيانِ أنَّ الإسنادَ مِنَ الدينِ. وأنَّ الروايةَ لا تكونُ إلا عَنِ الثِّقاتِ، ثم رَوَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أنهُ قَالَ: "إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ، فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ". وعن عبدِ اللهِ بنِ المبارَكِ أنهُ قالَ: "الإِسنادُ مِنَ الدِّينِ. ولَولا الإِسنَادُ لَقَالَ مَنْ شَاءَ ما شاءَ".
وفي هذا يقولُ النَّوويُّ رحمهُ اللهُ: لا يجوزُ استِفْتَاءُ غيرِ الثِّقةِ، أي لا يجوزُ لكَ أن تَسْتَفْتِيَ في أمرِ دينِكَ إلا ثقَةً ضَابِطًا مُتْقِنًا، يُوثَقُ بِدينِهِ ومعرِفَتِهِ ويُعتمَدُ عليهِ، فيَا أخِي المسلم يَا مَنْ تَهتَمُّ بدينِكَ لا تَغْتَرَّ بِالشَّكلِ ولا بالزِّيِّ ولا بِالشُّهرةِ ولا بِالْمَنْصِبِ، فقَد قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "يَخرُجُ في ءاخِرِ الزّمَانِ رِجَالٌ يَخْتِلُونَ الدّنْيَا بالدّينِ، يَلْبَسُونَ لِلنّاسِ جُلُودَ الضّأْنِ مِنَ الّلينِ، أَلْسِنَتُهُمْ أَحْلَى مِنَ السُّكَّرِ وَقُلِوبُهُمْ قُلُوبُ الذِّئَابِ".
يا أخِي المسلم لا تَقُلْ: أعجَبَنِي شَكْلُه ، أو هذا مَشْهُورٌ يُحاضِرُ على الفَضائِياتِ، أو هذَا ما أهوَاهُ وأَمِيلُ إليهِ، فقد ورَدَ في الأَثرِ: "حُبُّكَ لِلشَّىْءِ يُعْمِي وَيُصِمُّ".
وأما حَدِيثُ: "استَفْتِ قلبَكَ" فهو للعلماءِ المجتَهِدينَ وليسَ لِعَوامِّ الناسِ، لأنَّ الرسولَ صلى الله عليه وسلم قالَهُ للصَّحابِي الجَليلِ وابصةَ بنِ مَعْبَدٍ رَضِيَ الله عنه أحدِ علماءِ الصحابةِ وهو مِمَّنْ لَهُ أهليَّةُ استِنْبَاطِ الأَحْكَامِ، ولا يَخْفَى أَنَّ العَامِّيَّ قد يَمِيلُ قلبُه إلى ما يُخالِفُ الشَّرعَ، فكيفَ يَتْرُكُ العَامِّيُّ فَتوَى المجتَهدِينَ الْمُعتَبَرِينَ ويعمَلُ بِمَا تميلُ إليهِ نفسُه، فقَدْ روَى الإمامُ أحمَدُ وغيرُه عَنْ وَابِصَةَ بنِ معبدٍ رضيَ اللّهُ عنه؛ أنهُ أتَى رسولَ اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقالَ: "جِئْتَ تَسألُ عَنِ البِرِّ وَالإِثْمِ؟ قالَ: نَعَم، فقالَ: اسْتَفْتِ قَلْبَكَ، البِرُّ ما اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ وَاطْمَأَنَّ إِلَيْهِ القَلْبُ، وَالإِثْمُ ما حَاكَ في النَّفْسِ وَتَرَدَّدَ في الصَّدْرِ، وَإنْ أفْتَاكَ النَّاسُ وَأفْتَوْكَ".
أخي المسلم
اعرِفِ الحقَّ تعرِفْ أهلَهُ، فالحقُّ لا يُعرَفُ بِالرِّجالِ ولكنَّ الرِّجالَ يُعرفُونَ بالحقِّ، ولا تَقُلْ أنَا في حَيرَةٍ وضَيَاعٍ، ولا تَجعَلِ الحسَدَ والهوَى وتَصديقَ الشَّائعاتِ مَانِعًا لكَ مِنْ قَبُولِ الحقِّ. أَقْبِلْ على طلَبِ العِلمِ مِنْ أَهْلِهِ وأَشْفِقْ على نَفْسِكَ وعَلَى زوجِكَ وأولادِكَ.
نسألُ اللهَ تعالى أن يجعَلَنا منَ الذينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحسنَهُ. ءامين
هذا وأستغفرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ.
الخُطبةُ الثانيةُ:
الحمدُ للهِ الواحدِ الأحدِ الفردِ الصمدِ الذي لم يلدْ ولم يولدْ ولم يكن له كفُواً أحَد. والصلاةُ والسلامُ على سيدِنا محمد صلى الله عليه وعلى جميعِ إخوانِه الأنبياء والمرسلين، أما بعد عبادَ اللهِ اتقوا اللهَ في السرِّ والعلنِ، واعلموا بأن الله أمركم بأمر عظيم أمركم بالصلاة على نبيه الكريم فقال: ﴿إنَّ الله وملائكتَه يصلُّون علَى النبي يا أيهَا الذِين ءامَنوا صلُّوا علَيْه وسلِّمُوا تسلِيما﴾ اللهُم صلِّ علَى محمد وعلَى ءالِ محمَّد كما صلَّيت علَى إبراهيم وعلى ءال إبراهيمَ إنك حميدٌ مجيدٌ اللهمَّ بارِكْ على محمدٍ وعلى ءالِ محمدٍ كما بارَكتَ على إبراهيمَ وعلى ءالِ إبراهيمَ إنكَ حميدٌ مجيدٌ، اللهمَّ أنتَ وَلِيُّنَا في الدُّنيا والآخِرَةِ، توفَّنا مسلمِينَ وألْحِقْنَا بِالصَّالِحينَ، نسألُكَ اللهمَّ الرِّضَا بِالقَضَاءِ، اللهمَّ فاطرَ السمواتِ والأَرضِ عالِمَ الغَيْبِ والشهادَةِ ذَا الجَلالِ والإِكرامِ اغْفِرْ لنَا ذنوبَنا إنهُ لا يَغْفِرُ الذُّنوبَ إِلا أَنْتَ وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوابُ الرَّحِيمُ.
اللهمَّ أنتَ السَّلامُ وَمِنْكَ السَّلامُ وإليكَ يعودُ السلامُ، نسألُكَ أَنْ تَسْتَجِيبَ دعوتَنَا وأن تُعطِيَنَا فوقَ رغبَتِنَا وأَنْ تَزيدَنا فَوقَ رَغْبَتِنَا، اللهمَّ أَصْلِحْ لنا دينَنا الذِي هو عِصْمَةُ أمرِنا، وأَصْلِحْ لنا دُنيانَا التِي فيهَا مَعاشُنا وأَصْلِحْ لنا ءَاخرِتَنَا التِي فيهَا مُنْقَلَبُنَا واغفِرْ رَبَّنا لِلمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهم والأمواتِ إنَّكَ سَميعٌ مُجِيبُ الدَّعَوَاتِ.
عبادَ اللهِ ﴿إن اللهَ يأمرُ بالعدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القربى وينهى عن الفحشاءِ والمنكر والبغيِ يعِظُكم لعلكم تذَكَّرون﴾ اذكروا اللهَ العظيمَ يذكُرْكم واشكروهُ يزِدْكم واستغفِروهُ يغفِرْ لكم واتقوهُ يجعلْ لكم من أمرِكم مخرجًا.





LinkBack URL
About LinkBacks






رد مع اقتباس
مواقع النشر (المفضلة)